عبد الملك الثعالبي النيسابوري

270

يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر

عذري وحسبته يعفيني ، فعاودني بمن استحضرني فدخلت عليه وقد قعد للشرب فأكرهني عليه ، ثم قال : أتعرف أحسن صنيعا مني بك ، وقد نقلتك عن واحرباه إلى واطرباه ، وسمعت عنده خادمه المسمى سلافا ، وهو يضرب بالطنبور ويجيد ويغني ويحسن ، وفيه يقول وقد شربنا عنده سلافا [ من الخفيف ] : قد سمعنا وقد شربنا سلافا * وجمعنا بلطفه أوصافا وشاهدت من حسن مجلسه وخفة روح أدبه وإنشاده للصنوبري وطبقته ما طاب به الوقت ، وهشت له النفس ، وشاكل رقة ذلك الهوى ، وعذوبة ذلك اللمى . وكان فيما أنشدني لنفسه وقد عمله في بعض غلمانه [ من الكامل ] : خطط مقوّمة ومفرق طرّة * فكأنّ سنّة وجهه محراب « 1 » ورّيت في كشف الذي ألقى به * فتعطّل النمّام والمغتاب « 2 » فانصرفت عنه وجعلت ألقاه في دار الإمارة . وهو على جملة من البر والتكرمة ، حتى عرفت خروجه إلى بستان بالياسرية لم ير أحسن منه ولا أطيب من يومه فيه لا أني حضرته ، ولكني حدثت بما أرى له فكتبت إليه شعرا م [ من الكامل ] : قل للوزير أبي محمد الذي * من دون محتده السّهى والفرقد « 3 » من إن سما هبط الزمان وريبه * أو قام فالدهر المغالب يقعد سقّيتني مشمولة ذهبية * كالنار في نور الزجاجة توقد لما تخوّن صرف دهر عارض * صبري وقلبي مستهام مكمد

--> ( 1 ) الطرّة : الشعر الذي يعلو الجبين ( 2 ) ورّيت : من التورية وهي القول الذي يحتمل معنيان قريب وبعيد أو ظاهر وخفي . ( 3 ) المحتد : الأصل والنسب .